العلامة المجلسي
18
بحار الأنوار
ثكلتك أمك ، فما تكلمت العرب بكلمة أثقل علي من هذه الكلمة ، وكان ذلك مكرا من الراهب ، وكان معه حين نزل من صومعته رق ( 1 ) أبيض ، فجعل ينظر فيه مرة وإلى النبي صلى الله عليه وآله أخرى ، ثم أكب ينظر فيه مليا ، فقال : هو هو ومنزل الإنجيل ، فلما سمع بذلك خزيمة ظن أن الراهب يريد بالنبي صلى الله عليه وآله مكرا ، فضرب بيده إلى قائمة سيفه فانتزعه وجعل يصيح بأعلى صوته : يا آل غالب ، فأقبل الناس يهرعون إليه من كل ناحية يقولون : ما الذي راعك ؟ فلما نظر الراهب إلى ذلك أقبل يسعى إلى صومعته فدخلها وأغلق عليه بابها ، ثم أشرف عليهم فقال : يا قوم ما الذي راعكم مني ؟ فوالذي رفع السماوات بغير عمد ما نزل بي ركب هو أحب إلي منكم ، وإني لأجد في هذه الصحيفة أن النازل تحت هذه الشجرة - وأومأ بيده إلى الشجرة التي تحتها رسول الله صلى الله عليه وآله - هو رسول رب العالمين ، يبعث بالسيف المسلول ، وبالذبح الأكبر ، وهو خاتم النبيين ، فمن أطاعه نجا ، ومن عصاه غوى ، ثم أقبل على خزيمة فقال : ما تكون من هذا الرجل ؟ أرجلا من قومه ؟ قال : لا ، ولكن خادم له ، وحدثه بحديث البعيرين ، فقال له الراهب : أيها الرجل إنه النبي الذي يبعث في آخر الزمان ، وإني مفوض إليك أمرا ، ومستكتمك خبرا ، وعاهد إليك عهدا ، فقال : ما هو ؟ فإني سامع لقولك ، وكاتم لسرك ، ومطيع لأمرك ، فقال : إني أجد في هذه الصحيفة أنه يظهر على البلاد ، وينصر على العباد ، ولا ترد له راية ، ولا تدرك له غاية ، وإن له أعداء أكثرهم اليهود أعداء الله ، فأحذرهم عليه ، فأسر خزيمة ذلك في نفسه ، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا محمد إني لأرى فيك شيئا ما رأيته في أحد من الناس ، إني لأحسبك النبي الذي يذكر أنه يخرج من تهامة ، وإنك لصريح ( 2 ) في ميلادك ، والأمين في أنفس قومك ، وإني لأرى عليك من الناس محبة ، وإني مصدقك في قولك ، وناصرك على عدوك ، فانطلقوا يؤمون الشام ، فقضوا بها حوائجهم ، ثم رجعوا ،
--> ( 1 ) الرق : جلد رقيق يكتب فيه . الصحيفة البيضاء . ( 2 ) الصريح : الخالص ، ولعل المراد أن ميلادك لم يشب بشئ من رسوم الجاهلية ، أو أن نسبك الخالص ، أو أنك خرجت من النكاح لم يدنسك السفاح . قال الكازروني في المنتقى : أي لست بكاذب عندهم .